مستقبل غامض لفضائيات مصرية

0
359

بات مستقبل الإعلام المرئي في مصر مثار جدل حول حجم التغيرات المتوقعة، والحد الذي سيصله الانحسار المتزايد له، نتيجة الأزمات المالية المتلاحقة التي طالت العديد من القنوات الفضائية الخاصة، وأدت ببعضها إلى الاستغناء عن عدد كبير من كوادرها، في حين دفعت الأخرى إلى تخفيض ميزانياتها وخفض رواتب العاملين بها.

وقنوات “الحياة” كانت آخر ضحايا هذه الأزمات، بعد أن أصدرت المحكمة الاقتصادية قبل أيام حكما قضائيا بالحجز على كافة العلامات التجارية الخاصة بالشبكة، بعد تراكم المديونيات المستحقة عليها، الأمر الذي دفع إعلاميين بارزين بها لتقديم استقالاتهم، ومنهم عماد أديب وجيهان منصور.

كما كشفت تقارير صحفية عن عزم شركة “إيغل كابيتال” المملوكة لجهاز المخابرات العامة، والمالكة لقنوات “أون تي في” للاستغناء عن ثلاثمئة من كوادر القنوات، وهو ما يمثل ثلث العاملين بها، وتخفيض رواتب باق العاملين بنسبة 50%، كما يشتكي العاملون في قناتي “سي بي سي” و”النهار” من تأخر رواتبهم عدة أشهر.

وأفاد أحد العاملين بقناة النهار بأن عشرات العاملين بالقناة لم يأخذوا مستحقاتهم المالية منذ ثلاثة أشهر، ويتخوفون من إظهار أي اعتراض على ذلك حتى لا يتم الاستغناء عنهم، كما حدث مع غيرهم، في ظل تدهور سوق العمل وعدم وجود بدائل أخرى.

وفي هذا السياق، جاءت استقالة أسامة الشيخ رئيس شركة “إعلام المصريين” التابعة لشركة “إيغل كابيتال”، بعد تسريحه أكثر من خمسمئة من العاملين بالقنوات التابعة للشركة، وذلك حسب تقارير نشرتها مواقع إعلامية محلية. وكشفت تلك التقارير أيضا عزم الشركة على تقليص إصداراتها من خلال دمج بعضها وإغلاق البعض الآخر.

أما قنوات شبكة “دي أم سي” التي أطلقت مطلع العام الماضي ويشرف عليها اللواء عباس كامل، مدير مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي (الذي عُين مؤخرا رئيسا للمخابرات العامة)؛ فقد أفادت مصادر باستبعاد إدارتها عددا من العاملين بها ومعاناة الباقين من تأخر المرتبات، كما كشفت عن توجه لغلق بعض مشروعاتها بعد انتخابات الرئاسة المقبلة.

مصير متوقع
وتعليقا على ذلك، اعتبر الخبير الإعلامي حازم غراب أن ما وصلت إليه أحوال عدد من القنوات المصرية أمر طبيعي متوقع في ظل ما هو معلوم من أن الإعلام صناعة لا تجلب الربح إلا استثناء، وكون الإعلام في أغلب البلاد العربية مجرد أداة وذراع لسلطتي الحكم والمال.

وتوقع غراب في حديثه للجزيرة نت مستقبلا مظلما للإعلام المرئي بمصر، ما دام خاضعا لسلطة الحكم “الديكتاتوري” ورؤوس الأموال الخاضعة لهذه السلطة، لافتا إلى أن أحد عوامل هذه “الظلمة” فقدان المصداقية وتدني نسب المشاهدة التي يراها “عقابا” يفرضه المتلقون على الإعلام الذي تمتطيه الديكتاتورية.

وأشار إلى أن تراجع الدعم الذي كانت تقدمه بعض دول الخليج لهذه القنوات في سبيل تقديم خطاب إعلامي يحقق مصالحها، بعد استنفاد أغراضها منها، وعدم قدرة رجال الأعمال من أصحاب بعض تلك القنوات على تحمل خسائرها، له دور كبير في ما وصلت إليه أوضاع تلك القنوات.

ورأى أن الإعلام الجديد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ستكون له الريادة في المستقبل، ذاهبا إلى أنه في طريقه إلى النضج والمهنية التدريجية التي ستساعده على سحب البساط من تحت تلك القنوات.

ورغم ما تكشف خلال الشهور الماضية من توجه لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للسيطرة على معظم المؤسسات الإعلامية بمصر، فإن هذه الأزمات كشفت عن أن مهمتها في سبيل ذلك لن تكون سهلة، حسب مراقبين، وذلك نتيجة محدودية الموارد المتوفرة التي تتطلبها إدارة تلك القنوات أمام ضعف العائد المنتظر من ذلك.

تراجع تأثير
لكن المنسق العام للمرصد العربي لحرية الإعلام أبو بكر خلاف يرى أن عمليات التصفية وتقليل الإنفاق التي طالت هذه القنوات ليس دافعها فقط الأزمات المالية، وإنما شعور أجهزة الدولة التي باتت تسيطر عليها بتراجع تأثيرها وفقدها جدواها في المرحلة الحالية، ومن ثم فإن توفير تكاليفها أولى.

ويذهب خلاف في حديثه للجزيرة نت إلى أن المستقبل سيشهد إعادة هيكلة لهذه القنوات في إطار عمليات التصفية تلك، حيث من المنتظر حدوث عمليات دمج وإغلاق، وإعادة نظر في الميزانيات والخطط المالية التي تشغل تلك القنوات.

ويعتبر النظام السياسي القائم بمصر صاحب دور واضح في خلق هذه الحالة في إطار مساعيه لإحكام القبضة على وسائل الإعلام الموجودة والعاملين فيها ودفعهم لتقديم المزيد من فروض الولاء والطاعة له، واعتبارها مضمار منافسة يتسابق فيه العاملون للحفاظ على استمرارهم في العمل بتلك القنوات.

أما رئيس تحرير صحيفة المشهد مجدي شندي فيرى أن “الفقاعة الإعلامية” التي ظهرت عقب ثورة يناير 2011، وضخت مليارات لا يعرف مصدرها للسيطرة على الأفكار من خلالها، تبددت بعد أن تحققت أهداف أصحابها، ولم يعد هناك دافع لضخ المزيد، ومن ثم تُرِكت القنوات الناجمة عنها لتواجه مصيرها.

وقال شندي في حديثه للجزيرة نت إن السلطة بمصر لا تؤمن بدور حقيقي للإعلام، ولا تسعى لإطلاع الناس على الحقائق، وإنما تحاول فرض توجه أحادي، ومن ثم فإنها لم تعد ترى معنى لتعدد القنوات وتنوعها، وهو ما يُتوقع معه حدوث دمج لقنوات تسيطر عليها جهات وشركات إعلامية مقربة من السلطة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here