مخاطر التلوث المهمل

0
123
يعتبر التلوث من التحديات الوجودية الكبرى في القرن الحادي والعشرين، فهو يهدد استقرار النظم البيئية ويقوض التنمية الاقتصادية ويهدد صحة المليارات من البشر.

وعلى الرغم من ذلك  التهديد إلا أنه تم تجاهله ، سواء في إستراتيجية النمو التي تنتهجها بلدان العالم، أو في ميزانيات المساعدات الخارجية كتلك التي تخصصها المفوضية الأوروبية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ ونتيجة لهذا يستمر التهديد في النمو.

وتتمثل الخطوة الأولى نحو تعبئة الموارد والقيادة والمشاركة المدنية اللازمة للحد من خطر التلوث، في زيادة الوعي بالحجم الحقيقي لهذا الخطر. ولهذا السبب قمنا بتشكيل لجنة “لانسيت” المعنية بالتلوث والصحة: لجمع بيانات شاملة حول التأثيرات الصحية التي يخلفها التلوث، وتقدير تكاليفه الاقتصادية، وتحديد ارتباطه بالفقر، واقتراح أساليب ملموسة للتصدي له.

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نشرنا تقريرا يفعل ذلك على وجه التحديد. وقد وجدنا أن التلوث مسؤول عن تسع ملايين حالة وفاة سنويا، أو نحو 16% من كل الوفيات على مستوى العالم. وهذا يعادل ثلاثة أضعاف الوفيات الناجمة عن الإيدز والسل والملاريا مجتمعة، و15 ضعفا من الوفيات الناجمة عن كل الحروب والإرهاب وغير ذلك من أشكال العنف. وفي الدول الأشد تضررا، كان التلوث مسؤولا عن أكثر من وفاة واحدة بين كل أربع وفيات.

وتتباين الأسباب المحددة لمثل هذه الوفيات، وهو ما يعكس تركيبة متغيرة من أشكال التلوث. فمع تطور البلدان، تتراجع مستويات تلوث الهواء والماء المنزلي من أشكال التلوث القديمة المرتبطة بالفقر الشديد.

لكن الظواهر المرتبطة بالتنمية الاقتصادية -وعلى وجه التحديد: التوسع الحضري والعولمة وانتشار المواد الكيميائية السامة والسيارات العاملة بالوقود النفطي- تؤدي إلى ارتفاع مستويات تلوث الهواء المحيط والتلوث الكيميائي والتلوث المرتبط بالمهنة وتلوث التربة، وتتحمل المدن في البلدان النامية القدر الأعظم من الضرر.

من غير المستغرب أن يتحمل الفقراء وطأة عبء التلوث. فما يقرب من 92% من الوفيات المرتبطة بالتلوث تحدث في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وفي الدول على كل المستويات الاقتصادية، يكون المرض الناجم عن التلوث أكثر انتشارا بين الأقليات وأفراد الجماعات المهمشة، وأولئك المعرضين للخطر بطرق أخرى.

وإلى جانب التكاليف البشرية، تتسبب الأمراض المرتبطة بالتلوث في إحداث خسائر في الإنتاجية تقلل من الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية بنسبة قد تصل إلى 2% سنويا. وهي تمثل 1.7% من الإنفاق على الرعاية الصحية في الدول ذات الدخل المرتفع، وقد تصل إلى 7% في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

وتبلغ خسائر الرفاهية الاجتماعية الناجمة عن التلوث نحو 4.6 تريليونات دولار أميركي سنويا، أي 6.2% من الناتج الاقتصادي العالمي. ولا يشمل هذا التكاليف الباهظة المترتبة على تغير المناخ، والذي كان إحراق الوقود الأحفوري الشديد التلويث هو المساهم الرئيسي في إحداثه.

وعلى الرغم من هذه الخسائر، فإن من المتوقع أن تزداد المشكلة سوءا على سوء. ففي غياب التدخل القوي، قد تزيد الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء المحيط فقط بنحو 50% بحلول عام 2050.

ويشكل التلوث الكيميائي تحديا آخر متناميا، مع اختراع ما يقدر بنحو 140 ألف مركب كيميائي جديد منذ عام 1950، لم يخضع إلا قِلة قليلة منها لاختبار سلامتها أو سميتها. ويُعَد الأطفال الرضع والصغار أكثر عُرضة لخطر التلوث الكيميائي.

إن التلوث ليس “شرا لا بد منه”، ومن المحتم أن يصاحب التنمية الاقتصادية. فبالاستعانة بنهج قائم على القيادة الرشيدة وتوفير الموارد والبيانات الجيدة الصياغة، يصبح من الممكن الحد من التلوث. وقد جرى بالفعل وضع إستراتيجيات قابلة للتطبيق، واختبارها ميدانيا، وإثبات فعاليتها في الدول ذات الدخل المرتفع والمتوسط.

توازن هذه الإستراتيجيات بين الحلول القانونية والسياسية والتكنولوجية. على سبيل المثال، بعد تبني مبدأ “الملوث يدفع”، أصبحت هذه الإستراتيجيات تشمل إلغاء الإعفاءات الضريبية وإعانات الدعم التي تحصل عليها الصناعات الملوثة. وعلاوة على ذلك، تلتزم هذه الإستراتيجيات بأهداف وجداول زمنية واضحة يجري تقييمها بشكل مستمر وتخضع لتدابير إنفاذ قوية، كما يمكن تصديرها للمدن والدول على كل مستويات الدخل في مختلف أنحاء العالم.

ومن خلال التخطيط الدقيق والتطبيق الجيد التمويل لإستراتيجيات مكافحة التلوث، يصبح بوسع الدول النامية أن تتجنب أسوأ أشكال الكوارث البشرية والبيئية التي صاحبت النمو الاقتصادي في الماضي. وبات من الممكن الآن أن ننسى تماما الافتراض القديم القائل إن الدول الفقيرة يجب أن تتحمل مرحلة من التلوث والمرض على الطريق إلى الرخاء.

في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، من شأن هذه الإستراتيجيات أن تفضي إلى نمو أكثر استدامة للناتج المحلي الإجمالي. فقد عادت إزالة الرصاص من البنزين على سبيل المثال بمليارات الدولارات على الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم، لأن انخفاض مستوى التعرض للرصاص يعني الحد من الضعف الإدراكي وارتفاع الإنتاجية.

وفي الولايات المتحدة، حقق تحسين نوعية الهواء نحو ثلاثين دولارا في مقابل كل دولار استثمر فيه، بعائد إجمالي بلغ نحو 1.5 تريليون دولار على استثمار بقيمة 65 مليار دولار منذ عام 1970.

وعلى هذا، فإن الحد من التلوث يساعد في خلق فرص هائلة لتعزيز النمو الاقتصادي، في حين يعمل -وهو الأمر الأكثر أهمية- على حماية أرواح البشر وصحتهم في مختلف أنحاء العالم.

وتدعو لجنة لانسيت الحكومات الوطنية والبلديات والمانحين الدوليين والمؤسسات الكبرى ومنظمات المجتمع المدني والعاملين في مجال الصحة، إلى جعل مكافحة التلوث أولوية أعلى كثيرا مما هي عليه الآن.

ويتطلب هذا زيادة كبيرة في التمويل المخصص لمنع التلوث في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، سواء من الميزانيات الوطنية أو مساعدات المانحين.

ويمكن تحقيق ذلك على المستوى الدولي من خلال توسيع البرامج القائمة أو إنشاء صناديق جديدة قائمة بذاتها، ومماثلة للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. وينبغي لهذه البرامج أن تساعد في دفع وتكميل المساهمات الوطنية، في حين تعمل على توفير المساعدات الفنية ودعم البحوث. ومن الممكن استخدام التمويل الدولي أيضا لدعم عملية إنشاء “مرصد عالمي للتلوث”.

كما يعني التحكم الفعّال في التلوث ترسيخ إستراتيجيات للوقاية في كل إستراتيجيات النمو والتنمية في المستقبل، وإدراك حقيقة مفادها أن النجاح لن يتسنى إلا إذا غيرت المجتمعات أنماط الإنتاج والاستهلاك والنقل.

وتشمل الخطوات الأساسية هنا خلق الحوافز لانتقال أوسع نطاقا إلى مصادر للطاقة غير ملوثة، وإلغاء إعانات الدعم والإعفاءات الضريبية للصناعات الملوثة، ومكافأة إعادة التدوير وإعادة الاستخدام والإصلاح، والاستعانة ببدائل أكثر أمانا في محل المواد الخطرة، وتشجيع وسائل النقل العامة والنشطة.

لن يكون الانتقال إلى أنظمة أقل تلويثا بالمهمة السهلة، وسوف يلقى معارضة شرسة في مختلف أنحاء العالم من قِبَل المصالح الخاصة. ولكن -كما يُظهِر تقرير لجنة لانسيت- يشكل التحول إلى التلوث المنخفض ضرورة أساسية لصحة ورفاهة وازدهار مجتمعاتنا، ونحن لا نملك ترف إهمال هذا التهديد العالمي بعد الآن.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here